صديق الحسيني القنوجي البخاري

155

فتح البيان في مقاصد القرآن

أخرج عبد بن حميد والترمذي وابن المنذر عن أبي بكر الصديق أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال له لما نزلت هذه الآية : أما أنت وأصحابك يا أبا بكر فتجزون بذلك في الدنيا حتى تلقوا اللّه ليس لكم ذنوب ، وأما الآخرون فيجمع لهم ذلك حتى يجزوا به يوم القيامة « 1 » . وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة وأبي سعيد أنهما سمعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يقول : « ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا سقم ولا حزن حتى الهمّ يهمّه إلا كفّر اللّه به من سيآته » « 2 » وقد ورد في هذا المعنى أحاديث كثيرة وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره وَلِيًّا يحفظه وَلا نَصِيراً يمنعه منه . وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ للتبعيض أي بعض الصَّالِحاتِ وهي الفرائض قاله ابن عباس : وقال الطبري من زائدة عند قوم وهو ضعيف لأن المكلف لا يطيق عمل كل الصالحات ، حال كونه مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ أي حال كونه مؤمنا ، والحال الأولى لبيان من يعمل ، والحال الأخرى لإفادة اشتراط الإيمان في كل عمل صالح ، وفيه إشارة إلى أن الأعمال ليست من الإيمان . فَأُولئِكَ إشارة إلى العامل المتصف بالإيمان ، قرىء يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ على البناء للمجهول وللمعلوم والجمع باعتبار معنى ( من ) كما أن الإفراد فيما سبق باعتبار لفظها وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً أي قدر النقير وهو النقرة في ظهر النواة ومنها تنبت النخلة ، وهذا على سبيل المبالغة في نفي الظلم ووعد بتوفية جزاء أعمالهم من غير نقصان ، كيف والمجازي أرحم الراحمين . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 125 إلى 126 ] وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً ( 125 ) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً ( 126 ) وَمَنْ أي لا أحد فهو استفهام انكاري أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ أي أخلص نفسه له حال كونه محسنا أي عاملا للحسنات ، وقيل معنى أسلم فوض أمره إلى اللّه ، وقال ابن عباس : هو محسن يريد هو موحد للّه عز وجل لا يشرك به شيئا ، وإنما خص الوجه بالذكر لأنه أشرف الأعضاء فإذا انقاد للّه فقد انقاد له جميع الأعضاء لأنها تابعة له . وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً أي اتبع دين إبراهيم حال كون المتبع مائلا عن الأديان الباطلة إلى دين الحق وهو الإسلام ، وخص إبراهيم للاتفاق على مدحه حتى

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في تفسير سورة 4 ، باب 25 . ( 2 ) أخرجه البخاري في المرض باب 1 ، ومسلم في البر حديث 52 ، والترمذي في الجنائز باب 1 ، وأحمد في المسند 3 / 4 ، 18 ، 24 .